إندونيسيا هي الدولة السادسة عشر في العالم، حيث يتسم اقتصادها بالنمو السريع، ويبلغ عدد سكانها 262 مليون نسمة موزعة على 34 مقاطعة، وهي عبارة عن أرخبيل مؤلف من 18000 جزيرة. ولا يزال ضمان توفير خدمات الرعاية الصحية في جميع أنحاء البلاد يشكّل تحديًا. كما لا تزال نسبة الأطباء الاختصاصين إلى المرضى منخفضة عند 0.12 لكل 1000 من السكان. ويشكل الحصول على خدمات الرعاية الصحية الجيدة تحديًا في مناطق خارج العاصمة جاكرتا. كما يتعين على المرضى السفر إلى بلدان مجاورة لتلقي العلاج الطبي. ولمعالجة هذه القضية، زادت حكومة إندونيسيا من استثماراتها في مجال التعليم الطبي والبحوث لتطوير المناهج الدراسية، وإتاحة الفرصة لتعليم المزيد من المهنيين في الحق الصحي لتلبية الحاجة المتزايدة لخدمات الرعاية الصحية المتخصصة داخل البلاد.

مراكز التميّز للتعليم الطبي المتخصص

ساعد البنك الإسلامي للتنمية حكومة إندونيسيا على تعبئة تمويل بقيمة 128 مليون دولار أمريكي من أجل مشروع متطوّر جدّا للتعليم والبحث الطبي في ​​إندونيسيا. وقد ساهم البنك بمبلغ 64 مليون دولار أمريكي وحشد تمويلا مشتركا بقيمة 36 مليون دولار أمريكي من الصندوق السعودي للتنمية، في حين كانت مساهمة حكومة إندونيسيا في المشروع بمبلغ 28 مليون دولار أمريكي.

ويهدف المشروع إلى تحسين التعليم الطبي وخدمات الرعاية الصحية المتخصصة في البلاد. وأنشأت ثلاثة مراكز للتميّز في التعليم والبحث والتدريس الطبي، ومنها معهد التعليم والبحث الطبي الإندونيسي في جامعة إندونيسيا في جاكرتا، ومستشفيان تعليميان في جامعة "سيبيلاس ماريت" في سوراكارتا وجامعة "أندلس" في بادانج.

وعملت هذه المؤسسات الثلاث فيما بينها من أجل تعزيز القدرات المهنية للموظفين الطبيين والإداريين، ووضعت منهجا جديدا لتدريس ممتهني الطبّ. وزُوِّدت هيئة التدريس في هذه المراكز بفرص التعليم العالي، ومنها 8 شهادات دكتوراه و11 درجة ماجستير وعدد من الدورات التدريبية المتخصصة القصيرة.

وساعد المشروع على تحسين جودة مواد التدريس الطبية ومناهج البحث، وأدخل ممارسات طبية جديدة ومعايير جودة عالمية. كما تلقى المتخصصون الطبيون وطلاب الطبّ تعليما في تخصصات حديثة أخرى، ومنها مفهوم المباني الطبية الخضراء، وإدارة النفايات والمياه النظيفة، فضلا عن التكنولوجيا الطبية القائمة على تكنولوجيا المعلومات والمهارات الأخرى ذات الصلة.

كما يمارس الطلاب تقنيات طبية جديدة تحت إشراف الكلية، وتغطي هذه التقنيات الحالات الطبية لأمراض مختلفةن كما أنّها توسّع من فرص تعلّم الطلاب. فبفضلها، يتلقى الطلاب تدريبا عمليا في علاج المرضى الذين يعانون من إصابات مختلفة وبمستويات مختلفة من الشدّة، مما يمنحهم فرصة اكتساب الخبرة العملية باستخدام أساليب العلاج الحديثة تحت إشراف أعضاء هيئة التدريس. وهذا بدوره يساعد الطلاب على اكتساب المعرفة وفهم أفضل لتقنيات ومنهجيات التعامل مع المواقف المعقّدة.

وقالت "سوتيرا" (45 سنة) التي تعيش على بعد 5 كلم من مستشفى "سيبيلاس ماريت" الجامعي: "أتيت إلى هنا لأنّ هذا المستشفى يقبل التأمين الخاصّ بي، فأنا لست بحاجة إلى دفع أيّ شيء. اقترح أحد الأطباء في مركز صحي مجتمعي أن أزور هذا المستشفى لأنّه أحد أفضل المستشفيات".

وقال الدكتور "تونانغ دوي أردييانتو" في مستشفى "سيبيلاس ماريت" في سوراكارتا: "يستخدم المستشفى 98% من التأمين الصحي لتوفير خدمات الرعاية الصحية. ويحب المرضى المجيء إلى هنا لأنّه يمكن الوصول بسهولة إلى المستشفى، وفضلا عن ذلك لدينا معدات حديثة ونقدم مجموعة واسعة من خدمات الرعاية الصحية الأولية".

ولخدمة جميع المرضى، يحيل مستشفى "سيبيلاس ماريت" في سوراكارتا المرضى على المراكز الصحية المجتمعية الموجودة في المناطق المحيطة به. وكجزء من الخدمة المجتمعية، يرسل المستشفى من وقت إلى آخر موظفيه إلى التجمعات السكنية، ويتقاسم المعارف مع المراكز الصحية المجتمعية المحلية حول الطرق الجديدة للعلاج الطبي والوقاية. كما ينظم المستشفى مخيمات طبية مجانية في المناطق الريفية.

ويتلقى طلاب كلية الطبّ التدريب في العمل في مستشفى "سيبيلاس ماريت" في سوراكارتان وهو شرط لا بدّ منه قبل أن يصبحوا أطباء. كما أنّهم يتعلمون طريقة تقديم الخدمات الطبية وإدارة المستشفيات، مثل عمليات المعالجة القياسية، وسلسلة توريد الأدوية، وإدارة المختبرات، وما إلى ذلك. ويشهد طلاب الطبّ أنّه بفضل دراستهم في مستشفى "سيبيلاس ماريت" في سوراكارتان اكتسبوا الكثير من الخبرة المطلوبة.

 

عوامل النجاح

انخراط المستفيدين والتزامهم: العوامل الرئيسة التي جعلت المشروع ناجحا هي (أ) الأولوية العالية التي منحتها حكومة إندونيسيا للمشروع وانخراطها فيه؛ (ب) الجودة العالية للموارد البشرية المتاحة؛ (ج) التعبئة السريعة للتمويل من الحكومة والشركاء الانمائيين.

التنفيذ الفعال: ساعدت الرؤية التي وُضِعت لمركز التميّز في الطبّ على تحقيق النتائج المرجوة. فساهم كلّ من التخطيط والإدارة الفعالين والإشراف المستمر في إستكمال أشغال المشروع بتوفير 28 مليون دولار أمريكي. واتّسمت عملية التوريد بالتنافس والنزاهة والشفافية. واعتمدت لغايات المشروع تجهيزات قياسية دولية ومعايير البناء الآمن. وكانت أغلبية نفقات المشروع بالعملة المحلية، وأدى انخفاض قيمة العملة المحلية مقابل الدولار الأمريكي إلى تحقيق وفورات.

نهج التعلّم المجتمعي: الجانب الإيجابي الآخر للمشروع هو التعليم الطبي من خلال مناهج عملية وإدخال التعلّم المجتمعي. وقد تبيّن أنّ هذا النهج فعال للغاية في تحسين جودة التعليم وتحويل طلاب الطبّ إلى متعلمين دائمين وإلى أفضل الممتهنين الطبيين.