الاستثمار في الإنسان. برنامج المنح الدراسية للبنك الإسلامي للتّنمية.

دكتور بندر حجار
رئيس البنك الاسلامي للتنمية

تعوّدت في زياراتي التي أقوم بها بين الفينة والأخرى للدول الأعضاء في البنك الإسلامي للتّنمية ، وللمجتمعات المسلمة في الدول غير الأعضاء بالبنك الحرص على الالتقاء بالشّباب من الجنسين الذين حصلوا على منح دراسيّة من البنك الإسلامي للتّنمية، وأصبحوا من المنتجين في قطاعات التّنميّة، أو الذين تبوأ منهم مناصب قيادية في القطاعات الحيوية والتنموية في بلدانهم، أو الذين لايزالون على مقاعد الدّراسة.

وفي كل مرة ألتقي بشريحة من هؤلاء النوابغ أشعر بالفخر والسّعادة وأنا استمع منهم للإنجازات، ولقصص النّجاح التي حقّقوها لأنفسهم ولمجتمعاتهم ولبلدانهم بفضل الله سبحانه وتعالى، ثم بفضل تبني البنك الإسلامي للتّنمية لبرنامج إكمالهم لدراستهم، وفتح آفاق النّجاح امامهم في تخصّصات تتطلبها عجلة التّنمية في بلدانهم.

إن الاستثمار في الإنسان تبني عليه الأوطان، فالإنسان هو محور التّنمية، ومن هذا المنطلق أطلق البنك الإسلامي للتّنمية برنامج المنح الدراسيّة المخصصة لأبناء دوله الأعضاء، وأبناءا الأقليّات المسلمة في الدّول غير الأعضاء وبمعايير قبول علميّة عالية، حيث بدأ البرنامج في عام 1983م على مستوى درجة البكالوريوس، ثم طُوّر ليشمل درجتي الماجستير والدّكتوراه، وبحوث ما بعد الدّكتوراه، وخلال تلك الفترة الممتدّة لنحو 37 عاماً حصل 17 ألف طالب وطالبة من 51 دولة عضواً، و59 مجتمعاً مسلماً في دول غير أعضاء على منح دراسية في تخصّصات علميّة تتطلبها التّنمية واجتازوا بتفوّق ولله الحمد.

وفي عام 2018م تمّ تقييم البرنامج، وإعادة هيكلته ليستوعب التّغيرات السّريعة التي يشهدها العالم، والمدفوعة بالتّطور التّكنولوجي غير المسبوق، فأنتقل البرنامج إلى مرحلة جديدة من التّطوير شملت الجوانب التّالية:

أولاً: إنشاء موقع إلكتروني يستقبل طلبات المتقدّمين للمنح الدّراسيّة، وقد أدىّ هذا المسار إلى ارتفاع عدد المتقدمين من 2200 متقدم في عام 2018م إلى 187 ألف متقدم في عام 2019م مختارين من 192 دولة، وفي عام 2020م وصل عدد المتقدّمين إلى 210 ألف متقدّم من 193 دولة.

ثانياً: عقد البنك اتّفاقيّات مع بعض الجامعات المرموقة في العالم ، منها على سبيل المثال جامعة كامبردج ، جامعة اكسفورد Oxford، جامعة Queen Marry في المملكة المتحدة، وجامعة McGill في كندا و Copenhagen في الدنمارك ومع Campus France في فرنسا، والوكالة المغربيّة للتّعاون الدّولي، وزارة التّعليم العالي في ماليزيا، والمجلس الأعلى للجامعات في تركيا، وجاري التّواصل مع جامعة الملك عبدالله للعلوم والتّقنية (كاوست) في المملكة العربيّة السّعودية، وبعض الجامعات الأمريكيّة.

ومن المؤسّسات الخيريّة والصناديق، صندوق التضامن الإسلامي، وبعض المؤسّسات الخيريّة، وقد أسفرت تلك الاتّصالات لرفع عدد المنح الدراسيّة من 280 منحة إلى 1200 منحة بنفس الميزانيّة، وتحمّلت الجامعات جزءا من الرّسوم الدراسية، أو كاملها.

ثالثاً: ربط التّخصصات بأهداف التّنمية المستدامة، وفي هذا المجال تم عقد شراكة بين البنك والأكاديميّة العالميّة للعلوم التي أنشأها في إيطاليا البروفسور عبد السّلام الباكستاني الحائز على جائزة نوبل في الفيزياء، وهي معنية بربط العلوم بالتّنمية، وتمّ اختيار 18 تخصصاً وجميعها مرتبطة بأهداف التّنمية المستدامة.

رابعاً: تعيين لجان اختيار المتقدّمين للمنح الدّراسيّة من خارج البنك للمراحل الثلاث، البكالوريوس، الماجستير الدكتوراه، وبحوث ما بعد الدكتوراه لضمان الحيادية، وحسن الاختيار بما يضمن قبول المتقدّمين في أفضل الجامعات.

خامساً: لمساعدة الطلاب على الاستعداد لدورهم الرّيادي المستقبلي في تنمية مجتمعاتهم وبلدانهم، أطلقنا برنامجاً مبنيا على معايير علميّة في التوجيه والإرشاد لتقديم الدّعم والتّوجيه المصاحب لطالبنا خلال دراستهم .

بموجب هذا البرنامج، تمنح جوائز الأداء المتميز سنوياً للطلاب الذين يتم اختيارهم على أساس أدائهم في دراساتهم، ومشاركتهم في أنشطة التّوجيه والإرشاد.

سادساً: يقوم البنك حالياً بالعمل على هيكلة منصّة للخريجين تضمن تفاعلهم، وتحقيق التّنمية المهنيّة لهم، وتبادل الأفكار، وقصص النّجاح ، والممارسات الفضلى. وستلعب هذه المنصّة دوراً حيويا في تعزيز الاقتصاد القائم على العلوم في البلدان الأعضاء، وفي المجتمعات الإسلامية في البلدان غير الأعضاء. بمعنى آخر، ستركّز هذه المنصّة على حشد الخبرات العلميّة والتّكنولوجيّة العالميّة لتعزيز الحلول العمليّة للتّنمية المستدامة، وتعزيز تنفيذ مشاريع جديدة تؤدّي إلى النّمو الاقتصادي، والتّنمية المستدامة.

وتقديراً ودعماً من البنك لخريجي المنح الدّراسيّة الذين ساهموا في تنمية مجتمعاتهم سيتم منح من طوّر منهم مشروعا مبتكراً له تأثير مباشر في معالجة جانب تنموي حيوي في بلده، أو في إحدى البلدان الأعضاء في البنك، تمويلا أولياً بقيمة خمسين ألف 50,000 دولار أمريكي لتعزيز أنشطة ريادة الأعمال بين الخريجين وتمكينهم من المساهمة بنشاطات التّنمية الاقتصاديّة

 والاجتماعيّة في بلدانهم ومجتمعاتهم.

وتحفيزاً من البنك للخريجين ذوي الأداء المتميز في خدمة مجتمعاتهم، سيتم تسجيل مشاريعهم البحثيّة في الملكيّة الفكريّة للبنك الإسلامي للتّنمية.

إن تحدّيات الثورة الصناعية الرابعة، ودخول ما لا يقل عن 40 مليون شاب وشابة لسوق العمل سنوياً على مستوى العالم، منهم 10 ملايين في الدّول الأعضاء في البنك، يحتّم على البنك تطوير البرنامج بشكل مستمر، ونقل التّجارب النّاجحة من دولة إلى أخرى، ضمن برنامج تبادل التّجارب والخبرات الذي يقوده البنك بين الدّول الأعضاء.