يطلع على التجارب المباركة للبنك في مجال التمكين الاقتصادي في عدد من دوله الاعضاء. وتطورت الفكرة الى حلم ثم اقتراح ثم اتفاقية تفاهم وقعت بين البنك الإسلامي للتنمية ومصرف الزيتونة سنة 2014 لتأسيس أول مؤسسة للتمكين الاقتصادي بأليات التمويل الاسلامي ليس في الجمهورية التونسية فحسب بل وفي منطقة شمال أفريقيا قاطبة وقد اختير لها من الأسماء "الزيتونة تمكين"، ثم تم التأسيس القانوني لها أواخر سنة 2015.

اما الجهات المؤسسة للزيتونة تمكين فتضم بالإضافة الى البنك الإسلامي للتنمية ومصرف الزيتونة (أكبر مصرف إسلامي في تونس)، الراعيين الرئيسيين للمشروع، عددا من المؤسسات المرموقة على المستوى الوطني أو الدولي ونخص منهم بالذكر مؤسسة الزيتونة تكافل (أكبر شركة تكافل في تونس) ومجموعة بولينا القابضة ومجموعة دليس القابضة (مصنفتين من أكبر خمس مجموعات اقتصاديّة في تونس) والصندوق السيادي التونسي وصندوق جيدة المغربي (المملوك من الصندوق السيادي المغربي والصندوق السيادي الفرنسي والوكالة الفرنسية للتنمية والوكالة الألمانية للتنمية وبنك بريد المغرب).

وتكمن رسالة الزيتونة تمكين في المشاركة في الإدماج الاقتصادي للفئات المحرومة عن طريق التمويل الأصغر الإسلامي والترويج للمبادرة الخاصة ودعم مشاريع التشغيل الذاتي إلى جانب رؤيتها الطموحة بأن تكون فاعلا رئيسيا في مجال التمكين على الصعيد الوطني وذو إشعاع على الصعيدين الاقليمي والدولي.َ

وقد انطلقت هذه المؤسسة الفتية في نشاطها التجاري الفعلي منذ ديسمبر 2016 ولها اليوم بعد سنة ونصف فقط من العمل محفظة بعشرات الملايين من الدينارات وآلاف العملاء و15 فرعا قارا (مع اعطاء الأولوية للمحافظات الأقل تنمية في البلاد) وفرعين متنقلين لبلوغ المناطق الريفية والجبلية الصعبة، مضاعفة بذلك الهدف المعلن في خطة العمل المعتمدة من مجلس إدارتها وذلك لما لاقته من نجاح وقبول كبيرين في السوق التونسي رغم أنها كانت آخر المنضمين اليه. ويأتي هذا الجهد في إطار استراتيجية المؤسسة الهادفة الى الانتشار في كل انحاء البلاد من خلال افتتاح أكثر من 40 فرعا و5 فروع متنقلة (موزعة على جميع جهات البلاد) و5 إدارات إقليمية خلال الخمس سنوات القادمة بمشيئة الله بهدف تمكين حوالي 80000 مستفيد تمكين اقتصاديا بمحفظة اجمالية تناهز 600 مليون دينارخلال نفس الفترة لتسيطر بالتالي على حصة سوق تتراوح بين 15 و20% .

وتنقسم المحفظة التمويلية لمؤسسة "الزيتونة تمكين" الى شقين، محفظة للتمويلات الفردية مثل ما هو معروف في القطاع وهي لن تتجاوز 30 بالمئة من حجم التمويلات ومحفظة لتمويل مشاريع التمكين الاقتصادي وهي ستستحوذ على 70 بالمئة من المحفظة الجملية مع نهاية المخطط الخماسي.

كما تتميّز مؤسسة "الزيتونة تمكين" بوجود إدارة مركزية لهندسة المشاريع في هيكلها التنظيمي (الفريدة من نوعها مقارنة بالمنافسين التقليديين) تعمل على تطوير سلاسل القيم وإيجاد فرص الاستثمار الملائمة لفائدة المستفيدين من باعثي المشاريع الصغرى مع مراعاة خصوصية المناطق التي يعيشون فيها والميزات التنافسية التي تتمتع بها. وتتولى هذه الإدارة دراسة وتصميم وهيكلة مشاريع التمكين الاقتصادي وربط شراكات ذكية مع الأطراف الاقتصادية والاجتماعية ذات العلاقة بمجال التمويل الصغير وتشغيل الشباب بالإضافة الى منظمات المجتمع المدني المحليّة والدوليّة، كما تعمل على إيجاد الأسواق وفرص الاستثمار لفائدة المستفيدين من باعثي المشاريع الصغرى.

أما بالنسبة لمشاريع التمكين الاقتصادي فمؤسسة "الزيتونة تمكين" تعمل على عدد من أفكار المشاريع منها من دخل مرحلة الإنجاز كمشروع "حليب الخير" بشراكة مع مجموعة دليس القابضة والذي يشمل 2500 من صغار المربين على مدى خمس سنوات ومشروع العسل ومشروع "تعاونية شواط" ومشروع شبكة الوحدات الصناعية الصغرى الى غير ذلك من المشاريع ومنها من هو في المراحل الأخيرة للدراسة كمشروع التمور ومشروع المورينجا ومشروع "النباتات الطبية" وهي مشاريع معدّة للتصدير وتهم آلاف من صغار المنتجين ومنها من هو في مرحلة الدرس والتقصي الآن. وتشمل هذه المشاريع قطاعات الفلاحة والصناعات التحويلية والخدمات والصناعات الصغرى والبيئة، والنقل، الخ.

إن الخدمات المتنوعة والمتكاملة التي توفرها مؤسسة الزيتونة تمكين تنزلها مكانة الشريك الفاعل للمستفيدين. فعلاوة على توفير التمويل الأصغر تحرص المؤسسة على توفير حزمة من الخدمات تشمل جميع حلقات المشروع من دراسة للجدوى الى التكوين في المجالات التقنيّة والمالية والإدارية للمستفيدين الى دعمهم على مستوى تمويل مستلزمات الإنتاج بالإضافة إلى تمويل مكونات مشاريعهم باستعمال التقنيات الحديثة مرورا بالمتابعة الميدانية والتأطير لضمان كميات وجودة المنتوج انتهاء بتصنيع المنتجات و/أو ترويجها.

ولضمان نجاح أنشطة مؤسسة الزيتونة تمكين وتوفير أفضل الظروف لتطبيق منهجية التمكين الاقتصادي، وقع تأسيس منظمة "التمكين للتنمية" (Tamkeen for Development) وهي منظمة غير حكومية وغير ربحية متخصصة في الترويج لفكر ومفهوم التمكين الاقتصادي بالإضافة الى تقديم الدعم للفقراء المستفيدين من المشاريع من خلال أنشطة المرافقة والمتابعة والإرشاد فضلا عن النشاط التوعوي للفاعلين في مجال مكافحة الفقر والبطالة والتهميش. منظمة "التمكين للتنمية" تعمل اليوم بالتعاون مع منظمة الامم المتحدة على مشاريع طموحة الإدماج الاقتصادي للشباب التونسي في أقل المناطق جدا في التنمية.

كما تعمل المؤسسة حاليا على تأسيس المركز الدولي للتمكين الاقتصادي (International Center for Economic Empowerment) والذي سيعنى بتقديم الاستشارات والدارسات وبناء القدرات ونقل الخبرة في مجال التمكين الاقتصادي والمساهمة في تأسيس المؤسسات التي تتبني هذا المنهج إضافة الى هندسة مشاريع تنموية خاصة بالوقف الإنمائي والاستثمارات المربحة ذات الأثر الاقتصادي والاجتماعي الكبير في مجال التمكين الاقتصادي.

منظومة التمكين هذه ستمكن من تحقيق الرؤية الاستراتيجية التي وضعت للمؤسسة وهي أن تكون هذه الاخيرة نموذجا ناجحا للتمكين الاقتصادي للفقراء، نموذجا قابلا للتطوير وإعادة الإنتاج في العالم الإسلامي عامة وفي دول المغرب العربي وافريقيا على وجه الخصوص وذلك بالتعاون مع مجموعة البنك الإسلامي للتنمية خاصة بعد الزيارة المباركة لمعالي رئيس البنك الإسلامي للتنمية د. بندر الحجار إلى المؤسسة واطلاعه على إنجازاتها وتبنيه لهذا الجهد و اعلان دعمه الثمين له.

مؤسسة الزيتونة تمكين هي إذا قصة نجاح قامت على رؤية طموحة وفكر مبتكر وتجديد في الأدوات والآليات والنماذج وشراكات استراتيجية تقوم على النجاعة والفعالية، كل ذلك من أجل المساهمة في تحقيق التنمية ومكافحة الفقر والتهميش وتحقيق كرامة الإنسان، لتكون امتدادا حقيقيا لجهود البنك الإسلامي للتنمية ومنسجمة بذلك مع أهدافه ورسالته النبيلة وكفاها بذلك فخرا.